السيد محسن الأمين
23
أعيان الشيعة ( الملاحق )
كما وضع بنفسه بعضا من الكتب المدرسية كالدرر المنتقاة لأجل المحفوظات في ستة أجزاء مطبوعة . . . ووضع روايات تمثيلية مثلها طلاب المدرسة العلوية على مسرح المدرسة . أما إنشاؤه لمدرسة البنات ( اليوسفية ) في دمشق ، فكان مبادرة منه تكتسب أهمية خاصة في ذلك الوقت ، بسبب صدورها عن رجل دين من جهة ، ودعوته فيها لتدريس العلوم الحديثة واللغات الأجنبية ، من جهة ثانية ، فضلا عن التدبير المنزلي والخياطة والتطريز . إن هذا الجهد الاصلاحي المهم ، في ميدان التعليم عامة ، والتعليم الديني بخاصة ، فضلا عن أفكاره في إصلاح المدارس الدينية ( سيما في النجف الأشرف ) يتيح لنا مجالا في مقارنة السيد محسن الأمين بمصلح آخر ، هو الشيخ محمد عبده ، اتخذ مجال نشاطه في مصر ، وقام بجهد مشابه لجهد السيد الأمين في دمشق والنجف . فكما أن السيد الأمين ، انطلق في إصلاحه التعليمي ، من واقعة تردي كتب التدريس ومناهجه ، التي تلقى عليها دروسه الأولى في مدارس جبل عامل ، ومن ثم في النجف الأشرف ، فان الشيخ محمد عبده ، يذكر على سبيل المثال ، أنه أثناء تلقيه الدروس في الأزهر ، كان غضب على كتاب فطبخ به عدسا . « 1 » ويذكر عنه أحمد أمين ، أنه كان عنده عقدة نفسية ، ولدها شرح الكفراوي على الأجرومية ، « 2 » وإن الدرس الأول في الكفراوي ، على الأجرومية ، يبدأ بداية معقدة ، علق عليها محمد عبده ، بعد ذلك ، بقوله : باسم الله ما شاء الله ، هذا أول درس لمن لا يعرف في النحو شيئا ، فلو أن متكلما تكلم بالسريانية لكان أهون . « 3 » وقد حاول الشيخ محمد عبده ، بعد تولية منصب التعليم في الأزهر ، بطريقة عملية ، تطبيق ما كان يؤمن به نظريا ، من إصلاح للتعليم عامة في مصر ، وللتعليم الديني خاصة في الأزهر ، فنشر العديد من المقالات في هذا الموضوع ورفع بعض اللوائح إلى السلطات الرسمية آنذاك . « 4 » لقد حاول الشيخ محمد عبده إصلاح الأزهر كما رأينا ، إلا أنه ، على حد قول أحمد أمين : يا لله وإصلاح الأزهر ، ما حاوله أحد من قبل ونجح ، ولا الشيخ محمد عبده . « 5 » رابعا : تنقية العقيدة ومحاربة الخرافات والأوهام : من الأمور التي يلتقي عليها عدد من المصلحين المسلمين ، على اختلاف نزعاتهم ومذاهبهم ، حرصهم على تنقية الدين الإسلامي مما علق به من البدع والأوهام والخرافات ، والعودة به إلى أصوله النقية الأولى ، التي سبق وعرفها في مكة والمدينة على عهد الرسول الأعظم ( ص ) . . ذلك أن أحكام الإسلام الأول ، أو أحكام الشريعة ، كادت تضيع تحت مجموعة من العادات 23 والتأثرات والمعتقدات الدخيلة عليها ، والمتاتية من جراء تحول الإسلام من شريعة إلى تاريخ ، بسبب احتكاكه بعادات ومعتقدات وأساطير الشعوب التي اعتنقته ، وأعطته مثلما أخذت منه ، فطعمته بإرثها الحضاري والفكري كما طعمته بانماط سلوكها ومعتقداتها وعادتها الشعبية . يقول السيد محسن الأمين ، في كتابه المجالس السنية : « 6 » لم يكن تأخر أتباع هذا الدين وضعفهم ناشئا إلا عن عدم تمسكهم بتعاليم دينهم . كما يعتقد أن من محاسن الدين الإسلامي الأمر بالنظر وإعمال العقل والأخذ بالدليل والبرهان وذم التقليد ، « 7 » ويرى أن نجاح الأوروبيين يعود إلى أنهم أخذوا عن الإسلام فضائله . « 8 » وهو بذلك يلتقي مع تيار إصلاحي كبير من الاصلاحيين المسلمين ، في نزعتهم للعودة إلى الأصول الإسلامية . وقد أشار إلى ذلك ، جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ، في العبارة التالية التي وردت في مجلة العروة الوثقى التي أشرفا معا على تحريرها وإصدارها في باريس ، معتبرين أن فساد المسلمين دخل على توالي الزمن من عقيدة الجبر والخطا في فهم القضاء والقدر . . ومما أدخل على الإسلام من زندقة وتشيعات وحزبيات « 9 » وأن الحل هو الحل الذي يقدمه الفقيه المسلم التقليدي : تنقية الإسلام وتوحيد اتجاهاته . « 10 » يطلق عبد الله العروي ، على هذا النمط من الوعي الاصلاحي ، تعبير الوعي الديني ، ويرمز إلى داعيته بالشيخ ، « 11 » معتبرا أن الشيخ يفضل عقيدة الايمان الجوهرية على الحياة ، فتخرج الأولى نقية لا تشوبها شائبة . في حين لا يعود التاريخ الفعلي يشكل سوى تشويهات لرسالة سماوية أصابتها الخيانة . « 12 » أما النوعان الآخران من الوعي الاصلاحي ، حسب رأيه ، فهما : الوعي السياسي والوعي التقنوي ، حيث يعتقد رجال السياسة أن انحطاطنا كان سببه الأساسي عبودية قديمة « 13 » ويعتقد داعية التقنية أن الحضارة هي الصناعة ، وثقافة هذه الحضارة هي العلم . بينما ثقافة الزراعة هي الأدب والدين والفلسفة على حد تعبير سلامة موسى ، « 14 » ويأخذ أمثلة على هذه الأنماط المتعاقبة من الوعي : محمد عبده ولطفي السيد وسلامة موسى . « 15 » إن افتراض هذا التعارض النوعي بين هذه الأنماط الثلاثة من الوعي ، واعتبار الدين والأدب والفلسفة هي نتاج ثقافة زراعية ، في حين أن العلم والتقنية هما نتاج حضارة صناعية . . يترك منفذا لأفكار وتساؤلات شبيهة بتساؤلات المستشرقين حول أهلية الدين الإسلامي لحمل حضارة علمية
--> ( 1 ) أمين ، أحمد . . زعماء الإصلاح . . ص 286 ( ذكر سابقا ) . ( 2 ) المرجع نفسه ص 284 . ( 3 ) المرجع نفسه ص ص 281 - 282 وهذا يشبه ما قاله السيد محسن عن أول درس تلقاه في النحو . فقد ذكر أولا تعابير أستاذه وتعريفاته للنحو ، ثم قال : فلما سمعت هذا الكلام أظلمت الدنيا في وجهي وقلت في نفسي : هذا علم لا يمكن ان أتعلم منه شيئا . . . ( 4 ) المرجع نفسه ص ص 309 - 313 . ( 5 ) المرجع نفسه ص 317 . ( 6 ) الأمين ، محسن . المجالس السنية . . ج 3 . ص 197 . ( ذكر سابقا ) . ( 7 ) الأمين ، محسن . المجالس السنية . . ج 1 . ص 191 ، وذلك تحت عنوان محاسن الدين الإسلامي . ( 8 ) الأمين ، محسن . سيرته بقلمه . . ص ص 215 - 216 . ( 9 ) كوثراني ، وجيه . . مختارات سياسية من مجلة المنار . . ص 9 ( ذكر سابقا ) . ( 10 ) المرجع نفسه ص 10 / على حد تعبير الدكتور كوثراني . ( 11 ) العروي ، عبد الله ، كتاب الأيديولوجية العربية المعاصرة ص 31 ( ذكر سابقا ) . ( 12 ) المرجع نفسه ص 33 . ( 13 ) المرجع نفسه ص 35 . ( 14 ) المرجع نفسه ص 38 . ( 15 ) المرجع نفسه ص 40 .